عبد الوهاب الشعراني
233
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
واللّه تعالى أعلم . [ أمر الشارع بالإجمال في طلب الرزق : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نجمل في طلب أرزاقنا ولا نقعد للرزق كل مرصد إيمانا بأن ما قسمه اللّه تعالى لنا لا يقدر أهل السماوات وأهل الأرض أن يردوا عنا منه ذرة ، كما أن من لم يقسمه الحق تعالى لنا لا يقدر أحد أن يوصل إلينا منه ذرة ، وكان على هذا القدم أخي العبد الصالح الشيخ عبد القادر شقيقي رحمه اللّه ، كان يزرع القمح والفول والسمسم وغير ذلك مع الشركاء ، فلا يعرف أين هو الطين الذي زرع ذلك فيه ، ولا أين وضعوه في الجرن ، فلا يزال كذلك حتى يدرسوه ويذروه في الريح ولا يحضره إلا وهو داخل الدار فمهما أعطاه الشركاء قبله منهم من غير أن تحدثه نفسه بمحاسبتهم ، وأرسلت له مرة أن يوقف على مقثأة بطيخنا الذي نزرعه في الجزيرة قريبا منه حارسا يحرسه حتى نرسل له المركب نوسقه فأبى وأرسل يقول لي : وبعد ، فإن ما قسم اللّه لأهل الريف أن يأكلوه لا يقدر أحد أن يحمل منه شيئا إلى مصر ، وما قسمه اللّه لأهل مصر لا يقدر أحد من أهل الريف أن يأكل منه شيئا ، فلا حاجة إلى حارس ، فقلت له في ذلك تعطيل الأسباب ، فقال : لا تعطيل إن شاء اللّه تعالى ، فإن الحارس إنما جعل لطمأنينة قلب المتزلزل في إيمانه بأن ما قسمه الحق تعالى له لا يمكن أن غيره يأخذه وأنت بحمد اللّه إيمانك صحيح فلا حاجة لحارس ا ه ، فعلم أن من تحقق بهذا الإيمان لا يحتاج قط إلى غلق بابه على شيء من حوائجه ، إلا من حيث منع اللصوص عن السرقة لما عنده من أموال الناس ومساعدته لهم بعدم غلق الباب ، فإنه إذا غلقه عسر عليهم الوصول إلى ما يسرقونه ، وكذلك إذا كان يأكل الدجاج المحشو أو الكلاج واللوزينج ونحو ذلك لا يحتاج إلى غلق بابه خوفا من أحد يدخل . وقد وقع لي مرة أنني كنت آكل في دجاج أنا وأخي الشيخ الصالح العالم العلامة نور الدين الطنتتائي ، فسح اللّه في أجله ، فقلت : هذا وقت مجيء الشيخ الصالح شمس الدين الخطيب الشربيني ، وكان بيننا نحن الثلاثة صداقة وود ، فقال لي الشيخ نور الدين أغلق الباب لئلا يجيء الخطيب فيأكل دجاجنا ، فقلت له : لا يخلو الحال من أمرين إما أن يكون قسم له أكله فلا يمكننا منعه ولو قفلنا الباب جاء من الحيط ، وإما أن لا يكون قسم له معنا أكل فلا نحتاج إلى غلق باب ، فقال : أغلق الباب وخذ في الأسباب ، فقلت له : ما دليلك في ذلك ؛ فقال حديث : « اعقل وتوكّل » . فقلت له : ذلك في حق من يخاف فوات شيء هو له ، وأنا لا أخاف من ذلك ، فقال : تمنعه من الأكل حتى تحرر نيتك في مسامحتك بما يخصك من الدجاجة ، فقلت له : قد سامحته من قبل أن يدخل ، وإذا كان خاطر الإنسان طيبا منشرحا لما يأخذه اللص فلا تحريم على اللص إلا من حيث القصد للحرام لا من حيث أكله الطعام مثلا ، لأن تحريم الأكل عليه إنما كان لأجل الأذى وعدم طيب النفس ، بدليل قرائن أدلة الشريعة ، فسكت الشيخ نور الدين ، ثم دخل الشيخ